الإعلام المصري يكتب عن يوم النصر بداية مرحلة جديدة في تاريخ أذربيجان الحديث
باكو، 5 نوفمبر (أذرتاج)
صدر في منصة "منبر التحرير" المصرية مقالا عن يوم النصر المصادف في 8 نوفمبر.
أفادت وكالة أذرتاج ان المؤلف الباحث المصري أحمد عبده طرابيك كتب في مقالته عن أهمية هذا اليوم المهم في تاريخ أذربيجان الحديث.
ويأتي في المقال: "يمثل الثامن من نوفمبر عام 2020 محطة فارقة في التاريخ الحديث لجمهورية أذربيجان، إذ شهد تحرير مدينة شوشا الاستراتيجية في إقليم قراباغ، وهو الحدث الذي شكل نقطة التحول الحاسمة في حرب الأيام الأربعة والأربعين، ومهد الطريق لإنهاء العمليات العسكرية واستعادة أذربيجان السيطرة على أجزاء واسعة من أراضيها التي ظلت تحت الاحتلال الأرميني منذ تسعينيات القرن الماضي.
لم يكن تحرير شوشا مجرد انتصار عسكري في معركة من معارك الحرب، وإنما كان حدثاً ذا أبعاد سياسية وتاريخية واستراتيجية عميقة. فمدينة شوشا تحتل موقعًا استثنائيًا في الذاكرة الوطنية الأذربيجانية، وتُعد إحدى أهم مراكز الثقافة والأدب والموسيقى والفنون في البلاد. وقد تأسست عام 1752 على يد باناه علي خان، مؤسس خانية قراباغ، وأصبحت عبر القرون مركزاً للحياة الثقافية الأذربيجانية، وارتبط اسمها بعدد كبير من الشعراء والموسيقيين والمفكرين الذين أسهموا في تشكيل الهوية الثقافية للبلاد. كما تكتسب شوشا أهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعها الجغرافي المرتفع وطبيعتها الجبلية، فضلاً عن إشرافها على مدينة خانكندي والمناطق المحيطة بها. ولذلك، فإن السيطرة عليها كانت تعني تحولاً جوهريًا في موازين القوى العسكرية على الأرض. وقد أدركت القيادة الأذربيجانية أن استعادة المدينة تمثل مفتاحًا لإنهاء الحرب بشروط جديدة، وأن تحريرها سيؤدي إلى تغيير المعادلات السياسية والعسكرية التي حكمت الصراع في قراباغ لعقود طويلة.
بدأت حرب قراباغ الثانية في السابع والعشرين من سبتمبر 2020، بعد تصاعد الاشتباكات العسكرية على خط التماس بين القوات الأذربيجانية والأرمينية. وسرعان ما تحولت المواجهات إلى حرب واسعة النطاق، استخدمت خلالها القوات المسلحة الأذربيجانية منظومات عسكرية حديثة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة وأنظمة الاستطلاع والتوجيه الدقيق، وهو ما أسهم في تغيير طبيعة العمليات العسكرية وتحقيق تقدم ميداني متواصل. وكانت الحرب امتدادًا لصراع تاريخي طويل حول إقليم قراباغ والمناطق المحيطة به، بدأ يتخذ أبعادًا عسكرية واسعة في نهاية ثمانينيات القرن العشرين، وانتهى في تسعينياته بسيطرة القوات الأرمينية على أجزاء واسعة من الأراضي الأذربيجانية، بما فيها إقليم قراباغ وعدد من المناطق المحيطة به. وقد أدى ذلك إلى نزوح مئات الآلاف من الأذربيجانيين عن مدنهم وقراهم، وتحول قضية استعادة الأراضي إلى إحدى أهم القضايا الوطنية والسياسية في أذربيجان.
خلال حرب عام 2020، تمكن الجيش الأذربيجاني من استعادة عدد كبير من المدن والبلدات والقرى، ومن أبرزها جبرائيل وفضولي وزنجيلان وقبادلي، إلى جانب مناطق استراتيجية أخرى. كما حققت القوات الأذربيجانية تقدمًا مهمًا في المناطق الجبلية والمرتفعات المحيطة بقراباغ، الأمر الذي أدى إلى تضييق الخيارات العسكرية أمام القوات الأرمينية. وجاءت معركة شوشا لتكون الحدث الأبرز في الأيام الأخيرة للحرب. فقد واجهت القوات الأذربيجانية تحديات جغرافية وعسكرية كبيرة بسبب الطبيعة الجبلية للمنطقة والتحصينات القائمة فيها، لكنها تمكنت من الوصول إلى المدينة وخوض معارك مباشرة داخلها. وفي الثامن من نوفمبر أعلن الرئيس إلهام علييف تحرير شوشا، وهو الإعلان الذي حمل دلالات سياسية وعسكرية بالغة الأهمية، وأكد أن موازين القوى قد تغيرت بصورة جوهرية لمصلحة أذربيجان. وفي العاشر من نوفمبر 2020، تم التوصل إلى البيان الثلاثي لوقف إطلاق النار بين أذربيجان وأرمينيا وروسيا، والذي وضع حدًا للعمليات العسكرية. ونص الاتفاق على إعادة عدد من المناطق المحيطة بقراباغ إلى السيطرة الأذربيجانية، وهي أغدام وكالباجار ولاتشين، وفق جدول زمني محدد، إلى جانب نشر قوات حفظ سلام روسية في المنطقة. وبذلك لم يقتصر أثر النصر على استعادة الأراضي التي حررتها القوات الأذربيجانية خلال الحرب، وإنما امتد إلى تغيير الوضع العسكري والسياسي الذي استمر منذ التسعينيات، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من التعامل مع قضية قراباغ.
يحمل يوم النصر أهمية تتجاوز الحسابات العسكرية، فهو يمثل بالنسبة للأذربيجانيين استعادة جزء أساسي من الذاكرة الوطنية والتاريخية. فقد ظلت قضية الأراضي المحتلة حاضرة في الوعي الجمعي للمجتمع الأذربيجاني على مدار ثلاثة عقود، وارتبطت بمعاناة النازحين واللاجئين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم وقراهم ومدنهم. ولهذا، فقد شكل تحرير قراباغ لحظة وطنية جامعة، التف حولها المجتمع الأذربيجاني بمختلف مكوناته. كما عزز الانتصار الثقة في مؤسسات الدولة والجيش والقيادة السياسية، وأعاد قضية استعادة الأراضي إلى موقع مركزي في الخطاب الوطني الأذربيجاني. وقد ارتبط هذا الانتصار بصورة خاصة بالرئيس إلهام علييف، الذي قاد البلاد خلال الحرب، وأعلن تحرير المدن والمناطق الواحدة تلو الأخرى، مؤكدًا أن استعادة الأراضي تمثل أولوية استراتيجية للدولة. كما اكتسب الجيش الأذربيجاني مكانة خاصة في المجتمع، وأصبح الثامن من نوفمبر مناسبة لتكريم الجنود والضباط الذين شاركوا في العمليات العسكرية، واستحضار تضحيات القتلى والجرحى. وفي الثالث من ديسمبر 2020، أصدر الرئيس إلهام علييف قرارًا باعتبار الثامن من نوفمبر يوم النصر، ليصبح عيدًا وطنيًا سنويًا يجسد هذه المرحلة التاريخية. ورمزاً لاستعادة الأرض والسيادة الوطنية، وبداية مرحلة جديدة في تاريخ أذربيجان الحديث ومكانتها الإقليمية والدولية.
أحد أهم أبعاد انتصارات يتمثل في انتقال الدولة من مرحلة استعادة الأراضي إلى مرحلة إعادة الإعمار والتنمية. فقد واجهت الحكومة تحديات ضخمة في المناطق المحررة، التي تعرضت خلال سنوات الاحتلال لدمار واسع في البنية التحتية والمباني السكنية والمنشآت الاقتصادية والمؤسسات التعليمية والدينية والثقافية. وأطلقت الحكومة برنامجًا واسعًا لإعادة بناء المدن والقرى، وإقامة شبكات الطرق والسكك الحديدية والمطارات، وتوفير خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات، إلى جانب إنشاء المدارس والمستشفيات والمنشآت العامة. وأصبحت عملية إعادة الإعمار جزءًا أساسيًا من استراتيجية الدولة لما بعد الحرب. وتبرز مدينة شوشا في مقدمة هذه المشروعات، نظرًا لمكانتها التاريخية والثقافية. فقد أطلقت أذربيجان برامج لترميم المعالم التاريخية والمساجد والمباني التراثية، وإعادة إحياء الحياة الثقافية والفنية فيها، بهدف استعادة دورها باعتبارها أحد أهم المراكز الحضارية والثقافية في البلاد. كما اكتسب إعلان شوشا عاصمةً للثقافة الأذربيجانية عام 2021 دلالة مهمة على ارتباط إعادة الإعمار بالحفاظ على الهوية الوطنية. ويمثل مشروع المدن والقرى الذكية، إلى جانب برنامج "العودة الكبرى"، أحد أبرز ملامح مرحلة ما بعد الحرب. ويهدف البرنامج إلى تهيئة الظروف لعودة السكان الذين نزحوا من مناطقهم خلال سنوات الاحتلال، من خلال توفير مساكن حديثة وفرص عمل وخدمات تعليمية وصحية وبنية تحتية متطورة. وقد شهدت المناطق المحررة تنفيذ مشروعات للطاقة المتجددة، مستفيدة من إمكاناتها الطبيعية، ولا سيما الطاقة الكهرومائية والشمسية وطاقة الرياح. وتسعى أذربيجان إلى تحويل قراباغ وشرق زانجازور إلى مناطق نموذجية للتنمية المستدامة، بما يجعل إعادة الإعمار جزءًا من استراتيجية أوسع لتحديث الاقتصاد الوطني.
أسهمت انتصارات أذربيجان في توسيع حضورها في العلاقات الدولية، وأصبحت الدولة أكثر قدرة على توظيف موقعها الجغرافي ومواردها الاقتصادية وعلاقاتها السياسية في بناء شراكات خارج حدود المنطقة. فقد اتجهت إلى تعزيز علاقاتها مع دول الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، مستفيدة من مكانتها باعتبارها دولة منتجة ومصدرة للطاقة، وعضوًا فاعلاً في منظمة التعاون الإسلامي وحركة عدم الانحياز ومنظمة الدول التركية. كما عززت علاقاتها مع الدول العربية، ووسعت تعاونها الاقتصادي والاستثماري معها، خاصة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والسياحة.
يمثل الثامن من نوفمبر بداية مرحلة تاريخية جديدة، تسعى فيها البلاد إلى توظيف نتائج النصر في بناء دولة أكثر قوة وتأثيرًا، وتعزيز مكانتها باعتبارها مركزًا إقليميًا للطاقة والنقل والتجارة، وفاعلاً أساسيًا في صياغة مستقبل جنوب القوقاز."